عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

416

اللباب في علوم الكتاب

[ قوله تعالى : « واسِعٌ عَلِيمٌ » أي : يوسع على عباده في دينهم ، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم . وقيل : واسع المغفرة . فصل في سبب نزول الآية في سبب نزول الآية قولان : أحدهما : أنه أمر يتعلّق بالصلاة . والثاني : في أمر لا يتعلق بالصلاة . فأما القول الأول فاختلفوا فيه على وجوه : أحدها : أنه - تعالى - أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال « بيت المقدس » إلى الكعبة ، فبيّن تعالى أن المشرق والمغرب ، وجميع الجهات كلّها مملوكة له سبحانه وتعالى ، فأينما أمركم اللّه - عزّ وجلّ - باستقباله فهو القبلة ؛ لأن القبلة ليست قبلة لذاتها ؛ بل لأن اللّه - تعالى - جعلها قبلة ، فهو يدبر عباده كيف يريد ] « 1 » وكيف يشاء فكأنه تعالى ذكر ذلك بيانا لجواز نسخ القبلة من جانب إلى جانب آخر . وثانيها : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما - لما تحولت القبلة عن « بيت المقدس » أنكرت اليهود ذلك ، فنزلت الآية ونظيره قوله تعالى : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ البقرة : 142 ] . وثالثها : قال أبو مسلم : إن اليهود والنّصارى كل واحد منهم قال : إنّ الجنة له لا لغيره ، فردّ اللّه عليهم بهذه الآية ؛ لأن اليهود إنما استقبلوا « بيت المقدس » ؛ لأنهم اعتقدوا أن اللّه - تعالى - صعد السماء من الصّخرة والنصارى استقبلوا المشرق ؛ لأن مريم انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ، فولدت عيسى - عليهما الصلاة والسلام - هناك ، فردّ اللّه عليهم أقوالهم . ورابعها : قال قتادة وابن زيد : إن اللّه - تعالى - نسخ « بيت المقدس » بالتخيير إلى أي جهة شاء بهذه الآية ، فكان للمسلمين أن يتوجّهوا إلى حيث شاءوا في الصلاة ، إلّا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يختار التوجّه إلى « بيت المقدس » ، مع أنه كان له أن يتوجّه حيث شاء ، ثم إنه - تعالى - نسخ ذلك بتعيين الكعبة . وخامسها : أن المراد بالآية من هو مشاهد للكعبة ، فإنّ له أن يستقبلها من أي جهة شاء وأراد . [ وسادسها : ما روى عبد اللّه بن عامر بن ربيعة - رضي اللّه تعالى عنه - قال : كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة ، فجعل كل واحد منا مسجده حجارة موضوعة بين يده ، ثم صلينا فلما أصبحنا ، فإذا نحن على غير القبلة ، فذكرنا ذلك

--> ( 1 ) سقط في ب .